غرفة بلا جدران


قصة
غرفة بلا جدران
بقلم/ علي عيسى





تعالت أصوات المارة عندما أطاحت السرعة الجنونية علي طريق صحراوي  يربط بين مدينتي الجيزة والفيوم  قريباً من جنوب العاصمة المصرية القاهرة بشاحنة كبيرة اصطدمت برصيف الطريق فانقلبت ومات سائقها علي الفور.  وازدحم الطريق من الجانبين حتي لم يعد هناك مساراً تعبر منه حتي دراجة بخارية صغيرة تحمل شخص واحد في كلا الإتجاهين ذاهب أو آيب إلي القاهرة أو منها ولم تمض عدة دقائق حتي لاحت في الأفق سيارة إسعاف تابعة لهيئة الإسعاف المصرية. وكان صوتها المميز دافعاً لباقي السيارات لإفساح الطريق لها حتي يحاول طاقمها قدر جهده إسعاف المصابين الذين كانوا يستقلون سيارة ميكروباص تحمل لوحات معدنية تشير إلي أنها تابعة لإدارة مرور  القاهرة. وجاءت سيارة الاسعاف لمحاولة إسعاف المصابين وعمل اللازم حتي يتم التعامل مع الحادث بعد التعرف علي بطاقات الهوية الخاصة  بالقتلى  أو حمل المصابين ونقلهم إلى أقرب مستشفى لتلقي العلاج بينما تطوع بعض الأهالي بتغطية جثامين القتلى  الذين لقوا حتفهم ببعض الجرائد وقطعة من قماش أبيض  تبرع بها أحد الأهالي. ولم تمض الدقائق العشرة الأولى حتي كان رجال الشرطة يفحصون جثث الموتى للتعرف علي هوياتهم للتواصل مع ذويهم وكانت الجثث الملقاة علي الطريق لإمرأة في منتصف الثلاثينات من عمرها وطفلين أخرين  لم تتجاوز أعمارهم  الخامسة عشرة إلا بأسابيع قليلة ورجلان  آخران من مستقلي سيارة  الميكروباص.
نظر الملازم أشرف خلاف إلى بطاقة الرقم القومي التي وجدت في حقيبة يد المرأة التي لقيت مصرعها ثم همس في هدوء وقد انعقد حاجبية وانقبض صدره:
-        البقاء لله وحده.
-        سميه عبد الرحمن 36 سنة، ربة منزل.
ثم أشار إلى رجل يقف خلفه قائلاً بعد إذنك يا سيادة الأمين ثم كرر النداء عندما تعذر علي الرجل الذي كان يدور بين المصابين لجمع أية معلومات عن ملابسات الحادث أن يستجيب، لكن الضابط يكرر النداء في إلحاح:
-        الأمين  رجب فاروق.
وينتبه الرجل إلى مصدر الصوت  أخيراً فإذا به  يرد ملبياً علي الفور:
-        أوامر سيادتك يا أفندم.
فيكرر الضابط في عبارات صارمة لا تخلو من ضيق وشعور بالمرارة: 
-        خليك معايا هنا لو سمحت.
استجاب رجب فاروق أمين الشرطة علي الفور مكرراً نفس الجملة التي يحفظها عن ظهر قلب كل من يعملون مع ذلك الرجل فلا تفارق لسانهم  أثناء العمل:
-        تحت أمر حضرتك لحظة وتلاقيني معاك.
فقال الضابط بعد أن تنهد بعمق:
-   اعمل اللازم دلوقتي،  وأنا  راجع لعربية الداخلية  أجيب جهاز اللاسلكي عشان أتابع  مع إدارة المرور عشان يتعمل اللازم  بخصوص النقل والميكروباص.
-   وهنتواصل مع حد يكون مسئول عن متابعة الجديد  مع أهالي الضحايا عشان تصريح النيابة بدفن الجثث وعلاج المصابين وكمان لسه فيه كذا حاجه مطلوب نعملها والوقت مش في صالحنا بصراحة.
ومضت عدة ساعات قبل أن ينتصف النهار ليعود بعدها عاطف خليل إلى وعيه تدريجياً قبل أن  يشعر بأن رأسه علي وشك الإنفجار ولا يكاد يري إلا أشباح أشياء وأشخاص وصورة ضبابية تخيم على المكان من حوله ولم يكن قادراً علي تحريك ساقيه أو  ذراعه الأيسر أو  حتي لسانه لكنه أخيراً يستوضح من بين خيالات عديدة صورة فتاة ترتدي غطاء رأس أبيض يميز فتيات التمريض بتلك   المستشفى  القريبة حيث تم نقله لتلقي العلاج بعد إصابته بكسور بالساقين والكتف الايسر، لكنه أدرك  بعدها أن ما كان يطارده منذ قليل لم يكن كابوس ثقيل جثم علي صدره لساعات لكنه كان حقيقة مؤلمة أفقدته  كل شيء. فقد  خسر في دقائق معدودة طفليه  مصطفى وريماس وخسر أيضاً  والدتهما فأصبح وحيداً في الحياة. لم يكن انحرافه بعجلة قيادة السيارة قبل أن يفكر في الدوران عكس إتجاه السير ليملأ خزان سيارته  بالوقود إلا بداية مرحلة جديدة من مراحل الصراع مع القدر، كتبت عليه الحياة فيها أن  يكون وحيداً يعاني من العجز والفقر والوحدة في آن واحد كأنما حطت عنده المآسي والنكبات رحالها بعد عناء طويل وها هي تجد عنده ملاذاً آمناً لتبقى معه رفيقاً وصديقاً ثقيل الظل غير مرغوبا بصحبته علي الإطلاق.  
ابتلع أحزانه متذرعاً بالصبر بعد أن  انهمرت عليه عبارات التعازي والمواساة وربت الكثيرون علي كتفه وأشبعوه ثناءاً بعبارات تمتدح خصاله الطيبة وتطلب الرحمة لمن مات وتذكره بأجر الصابرين عن البلايا والنكبات، وبكي بين يديه أكثر الذين لا يجدون مبكى يشكون عند جدرانه قسوة أيامهم، فاتخذوا من أحزانه مطية ليعبر كل منهم عن ذاته أمام  ذلك المكلوم في زوجته وأبنائه ويتعزى كل منهم بمصاب عاطف عن مصابه في زوجة استأسدت عليه أو ابن عاقه بعد بر أو فقر ألم  به بعد يسر، وفي أغلب  الاحوال تعزى بحال الرجل من زاره ضعف بعد قوة ليتنفس الجميع مفرجين كروبهم بالمقارنة بما حاق بالرجل من خطب جلل.
لم يكن يصل إلى أذنيه بعد صمت  طويل إلا حروف قلائل صارت تميمة وقلادة يقدمها له أغلب الزائرين هدية قبل فراقه فلم يكن يقرع أذنيه في نهاية كل لقاء إلا تلك الجملة الخالدة:
-        ايييييه، آدي حال الدنيا، كان الله في عونك يا ابني.
 وكان يميز باقي الكلام مدى قرب أحدهم من الله مقارنة بغيره فالبعض يقول:
-        تذرع بالصبر واحتسب أجرك عند الله.
والبعض يردد في نبرات تحمل المودة:
-        حتماً سيخلف الله عليك بخير.
وقليل منهم من يقول:
-        اصبر على ما أصابك.
ثم يتمتم بآيات من القرآن الكريم،  ثم يتمتم مستغفراً ويردد كلمات  تدعم يقين الرجل بأن الله عادل ولن يتركه هكذا حتي يبدل ما حاق  به من ألم  وفقدان وبأس شديد بخير خفي إذا لم يظهر الآن فهو وشيك الظهور.
 ثم تمضي  الأيام ليتضاءل ألم الجسد ويحل محله ألم النفس التي أعياها  الفراق والوحدة، إلا من ساعة يزدحم فيها عنبر المرضى بالمستشفى بالزائرين من كل حدب وصوب، جيران وأصدقاء  وأقارب  الرجل الذي  لا يبرح فراشه إلا قليلاً إذا ما  أراد  أن  يقضي أمراًأو  يري الدنيا من نافذة غرفته التي اتخذها مسكناً بالمستشفى لبضعة أسابيع. كان يتحرك فيها متكأ على عكازين من الخشب ينتهيان بدائرة بلاستيكية من أسفل لكنهما يتفرعان الي ما يشبه قوساً خشبياً يصل بين طرفيه قطعة بلاستيكية صغيرة مغطاة بطبقة  من الإسفنج  ومغلفة بطبقة من الجلد، وقد صار العكازان رفيقان له طيلة هذه الايام البغيضة التي لم يصل إلى أنفه  فيها إلا رائحة الدواء. ولم يرى فيها إلا الأسرة البيضاء، ولم يسمع سوى أنين المرضى وصرخات التوجع لكنه بعد أن ضاق ذرعاً بهذا المكان طلب العودة الي بيته.
عاد في صباح يوم بارد إلى بيته محمولاً علي الأكف والسواعد  حتي بلغ فراشه، لكنه بعد أن  مضت أيام  كان يقوم علي رعايته بعض من نساء عائلته واللاتي أشفقن عليه، صار بعدها يعتمد في احتياجاته على قوته الداخلية التي أخذت تتنامى يوماً بعد يوم كما يتطور الطفل الوليد من الحبو علي أربع إلى تعلم الوقوف شيئاً فشيئ حتى يستطيع أن يمشي لكنه بعد فترة طويلة صار أكثر ضيقاً وسئم كل شيء حتى مشاهدة التلفاز. وكانت تزوره في تلك الآونة فتاة فقيرة يتيمة كان يعطف عليها بصورة لا تهين كبريائها، فكان يرسلها لشراء ما يريد فكان يدفع أضعاف ثمن ما يحتاجه ثم يقسم أن  تجعل باقي المال لأجلها، فكانت الفتاة تدرك ذلك جيداً وتشكر له حسن صنيعه دون حديث فلم تكن ترد إلا بمجرد ابتسامة رضا وامتنان، وما كان من الفتاة إلا أن  ظلت تقوم على خدمة الرجل بعد أن تخلى عنه الأهل بصورة كلية لانشغال كل منهم بشأنه وحياته. كانت الفتاة التي رافقت ابنته الراحلة في فصل دراسي واحد تزوره على فترات متباعدة فتحمل ثيابه المتسخة لتعود بها نظيفة معدة ليرتديها من جديد بعد التنظيف والكي  لتجعلها لائقة  للاستخدام مرة أخري.
وظلت الأيام علي هذه الحال تسير بالرجل إلى المجهول، فكان لا يغادر بيتة إلا إلى المقهى ليقتل ساعات من يومه أو  إلى متجر لبيع الفاكهة كان صديقاً لمالكه، وكان يهوى أن يمكث عنده سويعات  قلائل كل أسبوع عندما يريد مشاهدة مباراة لكرة القدم. حتى جاء يوم غابت فيه الفتاة عن زيارته لرحلة مدرسية خرجت فيها برفقة الزميلات، أجرى اتصالاً هاتفياً بأحد الأصدقاء يشكو إليه وحدته بين أربعة جدران، فاقترح عليه الرجل شراء حاسب آلي وأن  يجعله متصلاً بشبكة المعلومات الدولية (الإنترنت). وبعدها أشار عليه صديقه أن  يستحدث عاطف لنفسه حساباً علي صفحة التواصل الإجتماعي (فيس بوك)، وعندها تغيرت حياة عاطف إلى حد كبير، بل وإلى النقيض تماماً.
لم تمض عدة أسابيع  حتى استطاع عاطف تكوين شبكة صداقات وعلاقات لا بأس بها، لكنه فراراً من الوحدة واستسلاماً لوساوس الشيطان كان يسعى يوماً بعد يوم للتواصل مع النساء، لاسيما اللاتي يجدن على صفحات التواصل الاجتماعي ملاذاً من الوحدة والعزلة عن الدنيا فكانت صفحته الشخصية مليئة بالصور ومقاطع الفيديو التي يشاركها مع الأصدقاء والصديقات. وكانت المفاجأة عندما شاءت له الاقدار أن تظهر في حياته امرأة بارعة الحسن شديدة الجمال كثيرة المرح والمزاح، وكان ما استرعي انتباهه إليها غزارة تعليقاتها على صفحته الشخصية وما يقوم  بكتابته من كلمات وما يقوم بمشاركته مع الأصدقاء من منشورات تحمل مرة حكمة أو مقولة فلسفية ومرات لا حصر لها توحي منشوراته بالمرح والدعابة وروح الكوميديا. حتي تجرأ ذات ليلة وبدأ  في التواصل معها عبر صندوق الرسائل الخاصة وغرفة الرسائل الشخصية الخاصة بها، وبدأت تلك المرأة تمثل له حلما منشودا ولم تمض أسابيع  قليلة حتي تعرف عليها بلقاء مباشر والتقيا وجهاً لوجه للمرة الاولى.
 فكانت ((سلوي فهمي)) الموظفة بإحدى الجهات الحكومية والتي لم تبلغ الثلاثين عاماً هي صديقة  عاطف الوحيدة وملاذه الآمن عندما تضيق نفسه بما آل إليه من مصير حالك السواد كما كان يشعر كلما خلا إلى نفسه وقد أصبحت سلوى عنصراً أساسياً في حياته، لا يبدأ يومه إلا بها ولا ينتهي المساء  إلا بالحديث معها. وهكذا نسي عاطف الذي وطد علاقته بها سريعاً أوجاع وحدته، ثم تعرف علي كل ما يتعلق بحياتها، لاسيما طلاقها من الزوج الأول قبل أن  يتقدم لخطبتها رجل اعترضت الأسرة علي زواجه منها لأنه كان يكبرها بحوالي ربع قرن من الزمان، وله زوجتان وستة من الأبناء بينهم ابنتين تزوجتا منذ ثلاثة أعوام  معاً في نفس ليلة الزفاف. وأصبح عاطف منشغلاً بتلك المرأة أكثر من انشغاله بما سواها في حياته على الإطلاق.
مرت عدة أسابيع وجاء اليوم الحاسم عندما اتصل بها هاتفياً، وبعد اتصال تلاه آخر التقيا معاً وسقط عاطف في شباكها دون مقاومة منه، فقد كانت تبحث عن دفئ واحتضان رجل يهبها ما فقدته عندما عاشت ثلاثة أعوام  في كنف رجل لم يكن يعاملها إلا كمعطف معلق بإحدى أركان  شقته، فلا  يحتاج إليه إلا عندما يشتد بقلبه زمهرير الحرمان، ويريد فقط أن  يشعر بكيانه كرجل في فراش دافئ وثير. وفيما عدا ذلك ما كانت ترى سلوي من هذا  الزوج إلا نفوراً وإعراضاً فوجدت ضالتها أخيراً  في نظرات عاطف إليها، والذي كان يلتهمها بعينه كلما سنحت الفرصة وجمعهما لقاء. إلى أن  تطور الأمر ووجدت سلوي في نفسها القدرة علي طلب الطلاق، بعد أن تسلل عاطف إلى حياتها عندما كانت لا تزال في بيت  زوجها الأول لكنها قررت الانفصال  عن ذلك الزوج الذي لا يبالي بوجودها في حياته، وعندما تقدم لخطبتها العجوز صاحب الزوجتين كانت علاقتها بعاطف قد توطدت كثيراً بعد أن انفصلت عن زوج لم يهبها حقوق زوجة علي الإطلاق فكان يعاقبها بالهجر والغياب ما دام يجد عند الأخريات ما يبتغي منها وأكثر. وعندما انفصلت عن زوجها بطلقة رجعية مضت علي تلك الليلة عدة أسابيع، وجاءت لحظة التقت فيها بذلك الرجل الذي استعاد طعم الحياة بالغوص في بحار عينيها والإرتواء من ظمأ الحرمان بعذب حديثها. ولم يكن اللقاء بينهما في تلك المرة عابراً لكنه تطور إلى أبعد  من ذلك بكثير ليراها عاطف للمرة الأولى في حياته كما كان يراها في أحلامه ثم قضيا معاً ساعة تحت سقف واحد في مكان لم يكن يعلو فيها صوتاً إلا ضربات قلوب قلقة تترقب بحذر وقع الأقدام خارج تلك الشقة المستأجرة لتكون وكراً للمتعة، ويختلسان فيها  من الدنيا لحظات مسروقة. لم يكن لهما في تلك اللحظات من رفيق إلا نفس استباحت ما لا يحل لها وهوى أبى إلا أن يهوي بصاحبيه في مستنقع الشهوة  ودنس الرذيلة وشيطان نسج حول العاشقان  خيوط من الغواية، لكنها واهنة  كخيوط العنكبوت. وعندما سكنت  كل الأصوات لم يعلو صوت فوق صوت الأنفاس التي تحترق اشتياقاً  إلى تلك اللحظة المنتظرة منذ شهور عديدة، حتي حدثت الطامة الكبرى بعد أن تكررت لقاءاتهما المحرمة دون أن  يدري أحدهما  ما تنسج له الأقدار. فلم تكن سلوى تدري أن زوجها الذي فقد دفئ الحياة في غيابها سوف يحن شوقاً إليها, ويرسل في طلب مودتها وأن يردها إليه بعد أن توسل إلى كل من توسم فيهم الثقة والقدرة على السعي إلى عودة الأمور إلى سابق العهد، لكنه لم يكن يعلم أن الدنيا لن تقف عند قدميه وأن زوجته أصبحت تحمل في أحشائها طفل من رجل آخر، ولم يكن يعلم ماذا أخفت الأيام في طياتها.
وبعد أن استشعرت سلوى  خطورة أمر تلك العلاقة الوليدة قررت أن تنفصل بشكل كامل عن عاطف  الذي ما إن خرج من مأساته التي عاش في ظلها شهور طويلة حتى استعاد عافيته فإذا به يبحث عن جديد فغاب العقل وغفى الضمير وتلاشت الأخلاق  كأنما كان عقله قد أصابه من التخدير نصيباً كبيراً عندما أجرى عدة جراحات ليستطيع الوقوف على قدميه من جديد. ومضت الأيام ليحاصر عاطف بين أحزانه على من فقد فيما مضى ومخاوفه من أن ينكشف ما كان من علاقة لم تكن تزدهر رياحها وتشرق شمسها إلا فى الظلام.
ومضت عدة شهور وتزوج عاطف بإمرأة أخرى، لكنه عاش معها حياة باردة لا حراك فيها ولا روح، حتي بدأ يلاحظ وجود طفل يرافق سلوى في زياراتها لهذا الحي الذي يسكنه عاطف وكانت المرأة المقهورة فيما مضى والتي لم تعد تلقى إلى زوجها بالاً تريد أن تبلغ ذلك الصديق الذي لعب في حياتها دور العشيق أن هذا الفتى هو ابنك  أنت ومن صلبك أنت لغاية لم تكن تفصح عنها لبشر عندما تعمدت تكرار الزيارة الي بيت قريب من ذلك البيت الذي يقيم فيه العشيق الطامع، ولكنها لم تكن تدري ماذا تفعل تلك النظرات بنفس الرجل فقد كانت نظراته لعيون الفتى ذو عيون زرقاء وشعر ذهبي يميل إلى اللون البني وأنف عريض ووجه مستدير وجبهة عريضة كأنما هو صورة مصغرة من أبيه. لم تكن تلك المرأة تعلم أن  تلك النظرات أشد  فتكاً بقلب الرجل من نصال الخناجر المسمومة التي كانت تمزق نفسه وقلبه تمزيقاً، بل وتشعل النار بعقله فلا تهدأ حتي ينعزل الرجل عن الدنيا فينخرط في بكاء مرير. ومنذ ذلك اليوم ترك عاطف مواقع التواصل الاجتماعي وترك دنياه القديمة عائداً إلى وحدته وانعزاله إلى أن سافرت زوجته التي كانت تواجه صعوبة بالغة في الإنجاب لعائق طبي عارض يحتاج الي وقت طويل حتي يزول. سافرت تلك المرأة إلى بلدة ريفية بصعيد مصر لزيارة الخال الذي أبلغها أبيها أنه  قد أصيب بأزمة قلبية لكنه يلازم الفراش وحالته الصحية حرجة إلى حد بعيد. فسافرت عائشة رمضان زوجة عاطف إلى البلينا بسوهاج وهي تعلم أنه سوف يدبر أمور حياته وستعود الفتاة التي كان يشملها برعايته قبل زواجه بعد أن  تورط بتلك العلاقة الآثمة إلى الإطمئنان عليه من جديد. وقد سافرت المرأة في صباح يوم معتدل الحرارة تفادياً لمواجهة قسوة الظمأ في نهار رمضان لأنها لم تكن تفطر أبداً لسفر مهما بعد أو زادت مشقته. لكن عاطف التي ساءت أحواله وظل يقضي الليل ساهراً والنهار نائماً حتى طالت لحيته وتغير لون وجهه فأصبح غائر العينين، تختفي ملامحه خلف هالات سوداء أحاطت بعينيه لسبب غير معلوم وبدى لمن يراه أشعث  الشعر حتى لاح  للناظرين إليه  أنه  عجوز بلغ به العمر أرذله.  فكان  يقضي وقته في صمت وعزلة وينظر صامتاً إلى صورة فوتوغرافية لزوجته الراحلة والتي كلما أمعن  النظر إليها  وأطال الحديث الصامت  دمعت عيناه، حتي رأى نفسه ذات ليلة وهو مستغرق في نومه أنه مكبل بسلسلة من حديد متوهج كأنما أوقدت عليه النار فنهض مفزوعاً من تلك الرؤيا، ثم اغتسل علي الفور وتوجه إلى المسجد القريب حتي إذا ما ارتفع الآذان وقف بين المصلين مرتعداً لأول مرة ربما منذ ما يقرب من عام كامل. وكان لآيات تليت أثناء  الصلاة وقع حاد كوخز الإبر حتى إذا ما فرغ من الصلاة رفع يديه إلى السماء ضارعاً مستغفراً حتى هدئت نفسه. وعندما آوى إلى فراشه في صباح ذلك اليوم لم ينم، فنهض متوضئاً ليصلي ركعتان تقرباً إلى الله حتى إذا ما انتهت الركعة الأولى وشرع في أداء الثانية سقط على فراشه،  حيث صعدت الروح إلى بارئها دون أن يكون بجواره حتى من يلقنه الشهادة. وبقي علي هذه الحال حتى صباح اليوم التالي عندما استبطأت  (ياسمين) تلك الفتاة التي كان يعطف عليها ظهوره أو أن  تراه من شرفة شقته. صعدت إليه فإذا بها تجده ملقى على الأرض وقد فارق الحياة فما كان منها إلا أن خرجت إلى الناس تصرخ قائلة والرعب يقتلها:
-        عمي عاطف مات.
ثم تكرر ودموعها تسبق حروفها:
-        عمي عاطف مات.
لكنها لم تكتفي بهذا فصارت تهذي كالمحموم وهي تكاد تستجدي الجدران والأشياء دعاءً بالرحمة للرجل الذي انفطر قلبها حزناً لفراقه بعد أن كان يمثل بالنسبة لها السند والعون على قسوة الأيام ومرفأ النجاة من الحرمان من الأب. وبقيت الفتاة التي ابتلت وجنتيها بالدموع في حالة من الذهول وعدم التصديق، كان قلبها يستنكر غياب الرجل كأنه كابوس يجثم علي صدرها. فمن لها بعد هذا الرجل؟ غاص عقلها في آلامه محاولاً الإجابة على هذا السؤال المخيف حتى انزوت باكية عند جدار قريب ولم تقوى حتى علي تحريك لسانها بكلمة واحدة ولكن صراخها كان قد أحدث بالحي صخباً وضجيجاً.
 فما كان من الجيران إلا أن هرعوا محتشدين  على السلم. وتجاوز أقرب الجيران السلم المؤدي إلى الطابق الثاني ليتبين بعضهم الأمر، حتى تم إبلاغ طبيب مقيم بالمنطقة ليؤكد لهم وفاة الرجل، ولكن ياسمين لم تكن ضمن أولئك الذين امتلأت بهم حجرات شقة عاطف.
وما هي إلا لحظات حتي تجمع باقي الجيران والمارة  حول الفتاة،  وعندما تبينوا حقيقة الأمر ما كان منهم إلا أن تمتم بعضهم بكلمات قلائل وهو يهز رأسه في حسرة  مستغفراً  لذلك الرجل الذي لم يرى منه أحداً ما يسيئ إليه ذات يوم منذ أن شهدت حياته ذلك الحادث  وحتى قبلها، ولم يعلم أحداً  أنه  مات بعد اعتصر الحزن والرعب من لقاء الله علي إثم ومعصية قلبه الذي ضل الطريق إلي الله دهراً طويلاً عندما تخلى عنه الجميع حتى أولئك الذين جاء أكثرهم يبكونه بدموع كدموع التماسيح لم تعد تثمن أو تغني من جوع. ولم يكن أحدهم يعلم أنه لو كان حياً لأقسم على أغلب المشيعين ألا يتبع جنازته أحداً منهم، فماذا يفيد أن يبكون في وداعه بعدما تركوه فريسة للوحدة والعذاب حتى غادر الدنيا ولم يكن بجواره حتى من يلقنه الشهادة ويذكره برحمة الله الذي أصبح بين يديه بعد أن استبد به الشطط ثم عاد إلى خالقه ليلقي جزاء ما قدم من خير وما ارتكب من معاصي. لكن الألسنة التي لهجت بذكر الله والإستغفار في وداع الرجل كانت تستمطر السماء له رضاً من الله وتطلب منه للرجل عفواً وغفراناً.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق