غسان كنفاني


شخصية العدد
أيقونة الأدب المقاوم
"غسان كنفاني"
بقلم/ محمد الوكيل




فلسطين... عكا.. الثامن من إبريل لعام 1936م.
تُناضل السيدة عائشة السالم من أجل الوصول إلي سريرها؛ من أجل أن تضع وليدها فقد جاءها المخاض، لكنها تفشل.
يكاد المولود يختنق بسبب ذلك، لكنه يُناضل ليحيا... وهو ماقُدّر له.
وُلد غسان كنفاني في الثامن من إبريل لعام 1936 بمدينة عكا الفلسطينية الواقعة آنذاك تحت الانتداب البريطاني، لكنه عاش في يافا حتى العام المشؤوم 1948م حين أُجبر على اللجوء مع أسرته في بادئ الأمر إلى لبنان، وهو ماترك في نفسه أبلغ الأثر؛ فالصبي ذو الإنثي عشر ربيعاً فقط وجد نفسه مضطراً للرحيل بعيداً عن الأزقة التي شهدت طفولته، وعن الجدران التي تربّى بين زواياها، بل عن الوطن ككل.
لقد نضج غسان مُبكرًا؛ ففي فلسطين لا وقت كفاية للطفولة والصبا، فإما أن تكون رجلاً أو لاتكون.
((عائدٌُ إلي حيفا)) روايته الأثيرة، هل كان الشوق بداخله يدفعه إلى رحاب الوطن دفعًا؛ فكان يُمنّي نفسه بالعودة، وبأنه(عائد) لا محالة؟ أم أنه كان مدركًا لصوبة الأمر وأن (عائد)ليست إلا حلماً لا محل له في الواقع؟!
لم يعد غسان أبدًا، لكن خياله الخصب وحلمه بالعودة تزاوجا؛ فأنجبا هذا العمل الرائع الذي يحكيه ويحكي بعض ماداعب أهل فلسطين منذ ذلك الزمان وحتي زماننا هذا.
(رجال في الشمس، أرض البرتقال الحزين، أم سعد) هذه أسماء بعض من روايات غسان تمس الجرح الفلسطيني وتُعبر عن ألمه.
والرائع أنه أفرد مكانة للمرأة الأم في فلسطين في روايته أم سعد؛ فهو يعي أنها مدرسة النضال الأولى، وأن علي يديها الناعمتين ستتربى أجيالٌ تُجيد الهمس في أذن البنادق، وتجعل من أفئدة الأعداء مستقرًا لها،
ولأن الوطن أمسى حلمًا.
ولأن غسان صار كما الطيور المهاجرة يتنقل من مكان لآخر، مابين دمشق والكويت وبيروت؛ كان عليه أن يجد وطنًا من نوعِِ آخر، ولم تكن إلا (آنا) الدنماركية جمعتهما الإنسانية، آمنت هي بقضيته؛ فآمن هو بها، واتخذها زوجة؛ فزوجات المناضلين لَسنَ كما البقية، فهن جزء لا يتجزء من المعركة... ينسجن ثوب البطولة لأزواجهن ولأبنائهن، بل ولأنفسهن متى استطَعن إلى ذلك سبيلًا.
دنماركية سيكون من الظلم ألا يُذكر اسمها حينما تُتلى أو تُحكى صحائف الأبطال (الفلسطينين)؛ فقد هجرَت رغد وطيب العيش في أوروبا، وحملت روحها علي كفيها واقتربت من خط النار طواعية، وعاشت رفقة زوجها في الشام.
زوجها المستهدف من الموساد؛ فغسان لم يكن أديبًا يتحدث عن القضية الفلسطينة في رواياته وحسب، بل كان صحفيًا حاذقًا وهو ماجعله هدفًا دائمًا للموساد.
«أنتِ في جلدي، وأحسكِّ مثلما أحسّ فلسطين؛ ضياعها كارثة بلا أي بديل»
لم تكن هذه الرسالة المفعمة بالحب موجهة إلى أم ولده فايز وابنته ليلى (آنا)، بل كانت موجّهة إلى غادة السّمان التي أحبها غسان ولم تحبه هي، بل ظلّ موقفها كما البلاد العربية في أغلب الصراعات (علي الحياد)، لكن ومع ذلك لم يتوقف غسان؛ فالسيطرة على هذا الشعور بالذات أصعب من قطع الصين ركضًا علي الأقدام، أو تحرير فلسطين.
وكان غسان يُدرك عدم حبها له، واتضح ذلك جليًا في رسالته (إنكِ تعنين بالنسبة لي أكثر بكثير مما أعني لكِ، وأنا أعرف، ولكن ما العمل؟!).
(سأغفر لكِ مثلما فعلت وأفعل وسأظل أفعل، أغفر لكِ؛ لأنكِ عندي أكثر من «أنا» وأكثر من أي شيء آخر؛ لأنني ببساطة أريدك وأحبك، ولا أستطيع تعويضك، لأنني أبكي كطفلٍ حين تقولين ذلك، وأحسّ بدموعي تمطر في أحشائي، وأعرف أنني أخيرًا مطوّقٌ بك، بالدفء والشوق، وأنني بدونك لا أستحق نفسي!
لماذا أنتِ معي هكذا؟!
إنني أفكر بكِ ليل نهار، أحيانًا أقول أنني سأخلصك مني، ويكون قراري مثل قرار الذي يريد أن يقذف نفسه في الهواء، أحياناً أقول أنني سأتجلّد، أنني كما توحين لي أحيانًا، أريد أن أدافع وأهاجم وأغيّر أسلوبي، ولكنني في أعماقي أعرف أن هذا لن يحدث، وأنني حين أراكِ سأتكوّم أمامك مثل قط أليف يرتعش من الخوف، فلماذا أنت معي هكذا؟!
أنتِ تعرفين أنني أتعذّب، وأنني لا أعرف ماذا أريد، تعرفين أنني أغار، وأحترق وأشتهي وأتعذب، تعرفين أنني حائر وغارق في ألف شوكة برية، ورغم ذلك فأنتِ تحوّلينني أحيانًا إلى مجرد تافه آخر).
وكأنها رسالة مودع، وكأن حروفها تختصر كل شيء، وكأن سطورها غُمست في صدر غسان؛ فباحت بتفاصيل الأمر عن آخره.
إنها قصيرة مثل عمره؛ فغسان لم يعش أكثر من 36عامًا قضاها كجذوة لم تنظفئ ولم تخبو، ولم تعرف الدّعّة إليه سبيلًا.
ثمانية عشر كتابًا ومؤلفًا؛ ثروة كبيرة تركها شاب قضى نحبه في منتصف عقده الرابع؛ ففي اليوم الثامن من شهر يونيو لعام 1972م، وبعد دقيتين من مغادرة غسان وابنة أخته لميس للبيت،كما تروي زوجته ورفيقته آنا:
سمعنا انفجارًا رهيبًا حطم نوافذ البيت، وجدنا لميس على بعد بضعة أمتار، ولم نجد غسان، ناديتُ عليه، ثم اكتشفتُ ساقه اليسرى ووقفتُ بلا حراك، في حين أخذ ابنه فايز يضرب رأسه على الحائط، وابنتي ليلى تصرخ: بابا، بابا، لقد قتلوك).
لقد تمكّن منه الموساد أخيرًا وقتلوه، علي أية حال مات غسان ولم تمت فلسطين.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق