وعسى أن تكرهوا شيئاً


قصة "وعسى أن تكرهوا شيئاً"
بقلم/ إسراء محمد صلاح

﴿وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خيرٌ لكمْ وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شرٌ لكم والله يعلمُ وأنتم لا تعلمون﴾
تلك هي الآية التي أوقفت "رؤية" الفتاة صاحبة الثلاثة عشر عاماً  أثناء سماعها لها في التلفاز، قائلةً لنفسها كيف يكونُ الخيرُ في شيءٍ نكرهه، وعلى العكس كيف ما نراه خيراً وظاهره خيرٌ يكون شراً؟!
ظلت تتساءلُ وتتصارع أفكارها لبرهةٍ من الزمن، ومن ثمّ انشغلتْ بشيءٍ آخر وتناستْ تلك الآية.
وفي يوم آخر أعلنتْ المدرسةُ عن رحلة إلى "الغردقة" وأعلنت أيضاً عن إقامة حفل بمناسبة مرور ثلاثين عاماً على بناء المدرسة.
وقفت "رؤية" مع صديقاتها يتحدثنَ عن كلا الإعلانين، حيث قالت إحدى صديقاتها سوف أشارك في حفل المدرسة حتى أترك بصمة لي في المدرسة بعد رحيلي.
تعالت ضحكات "رؤية" قائلةً:
- حفل من هذا الذي سيملؤه المسنون وأراذلُ العمر؟ سوف يكون مملاً للغاية،  وسنبذل جهدنا هباءً، أما عن رحلة "الغردقة" فسنستمتع بكل دقيقة من وقتنا دون أن نبذل جهداً، فقط ضحك ومرح ولعب.
ولكن وجهة نظر "رؤية" لم تجدي نفعاً مع صديقاتها، ومن ثم زمجرت "رؤية" وتركتهم ورحلت متمتمةً: "على جثتي تضيع مني فرصة الرحلة".
رجعت البيت حتى تخبر والدتها عن تفاصيل تلك الرحلة، ولكن والدتها بلطف قالت لها:
- أخشى عليكِ من السفر، لمَ لمْ تشاركي مع صديقاتك في حفل المدرسة؟!
غضبت "رؤية" وتعالت أصواتها، ذلك الحفلُ السخيفُ الذي سيأخذ من وقتي وجهدي لأتدرب عليه دون جدوى ولا نفع، ما المميز في حفل يحضره كبار السن ومعلمو المدرسة وبعض الأهالي؟ سيكون رتيباً يا أمي، دعيني أشاركْ في رحلة المدرسة يا أمي، أنا أظن أني سأقضي وقتاً ممتعاً هناك، رجاءً رجاءً.
وافقت الأم وجاء موعد الرحلة، وأعدتْؤية" العدة وحزمت الحقائب، وبعد مرور بضع ساعات من انطلاق حافلة المدرسة حصل حادث مفجع أدى إلى وفاة جميع الركاب عدا "رؤية" التي نجت، ولكنها كانت بحالة يُرثى لها.
وحينما كانت "رؤية" بالغيبوبة سمعت تلك الآية التي أوقفتها يوماً ما ﴿وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خيرٌ لكم وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شرٌ لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون﴾
ومن ثم سمعت صوتاً يتردد قائلاً:
"في هذه الحياة يتيح الله لنا الفرص، ولكل فرصة يضع في طريقنا سبيلين لنختار بينهما، أحدهما لا يروق لنا وفي ظاهره مشقة وألم، ولكن في باطنه فيضٌ من السعادة اللا متناهية، والآخر فيه سعادة سهلة المنال ويسرٌ في مسلكه، ولكن يخبئ لنا من المتاعب ما لا يتحمله بشر.
يتيح الله لنا تلك الطرق حتى نفكر جيداً ونختار بتريث ونسأله تيسير الأمور المتعثرة.
ولكننا بتسرعنا وأفكارنا المحدودة نلجأ إلى الطرق الأسهل حصولاً دون التفكير في عواقبها.
لتكوني على علمٍ بأن ما ترينه شاقاً لكِ ومؤلماً هو ذاته كان يحمل لكِ في طياته بحاراً من السعادة خلقت لسفينتك أنتِ فقط، وسخره لكِ وحدك لأنه اختيار الله.
أما الطرق سهلة المنال فهي سهلة الزوال لأنها اختيارنا نحن البشر".
استيقظت "رؤية" على أصوات ما بين دموع نواح وألم، ودموع فرح وسعادة، حيث وقعت أنظارها على أهالي زميلاتها اللواتي فقدن حياتهنّ في الحادث، وكيف كان حال أهاليهنّ وهم يتمزقون ألما على فراق بناتهم، ونظرت تارة أخرى إلى أهلها، وهم يحمدون الله ويسجدون له شكراً على نجاة ابنتهم.
وكأن الله أعطاها فرصة لتراجع أفكارها مع القدر ومع اختيارات الله لها، وكيف كان اختيار الله لها هو الأفضل كيفما كان.
ثم رددت بصوت خافت:
﴿وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خيرٌ لكم وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شرٌ لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون﴾ ومن ثم غلبها النوم.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق