العائلة الصغيرة


قصة قصيرة
"العائلة الصغيرة"
يوسف حسين


-                     سنتفق
قلتُ هذا وأخرجت شحارير قلبي دفعة واحدة... تركتها تغني لك وتحفرُ بصوتها قبرًا للغياب..
-                     سنتفق
قلت هذا وأنا أستندُ على جدار مخاوفي وأتنزه عن المكابرة ..قلتها بنبرة الواثق من خسارته موقنا أننا في لحظة اتفاقنا، سنختلف !
كنا عائلة صغيرة، أو ربما لم نكُن عائلة بالمعنى الحقيقي؛ فنحن لا نجتمع على الطاولة للفطور الصباحي، لا نتبادل النكت في أيامنا الحزينة، لا نجلس معًا قرب موقد ملتهب.
لا نتراشق بالأفكار مثلما تفعل الأسر المحترمة، لا نتصل ببعضنا بعضًا، وفي الغالب كنا نتشاجر لأسباب تافهة، وكان منظرنا سخيفًا، أسخف من جرذان تائهة في زقاق مظلم، كنت أعتقد دائمًا أن ما يجمعنا مجرد صفحات بائسة في دفتر عائلي قديم، وأن الدم الذي يجري في عروقنا لوثته الحياة بخرابها..
كنا عائلة صغيرة، أو ربما مقبرة موحشة، لم يكن هناك أي انسجام بيننا، أنا كنت أصغر إخوتي، حين أسكر أراهم جميعًا يسيلون من خرم الباب... الباب الذي يفتح نفسه في رأسي ويصفعني بالصرير،  كنت أراهم يفتحون نوافذ جسدي ويلقون بأنفسهم واحدًا تلو الآخر وتغلق النوافذ نفسها بحركة بطيئة، هكذا ينتهون بتراجيديا بائسة، مخلفين وراءهم غبارًا من الشكوك على أسفلت روحي.
لم أكن نقيًا لكني كنت أحب الله، أحبه لأجل أن ينقذني من هذه القذارة ويقذف نوره في قلبي .
كنا عائلة صغيرة، أو ربما فكرة واسعة في مكان ضيق، كنا لا نهتم كثيرًا بالتواصل بيننا، بل لم نكن نتواصل بالمرة طيلة شهور، لم نحاول فرك الصدأ عن علاقتنا المتوترة ،لا يهم من يموت أولًا ولا من يموت أخيرًا، لا يهم من سيبقى لوحده في الأخير يجر هذا العار من مكان لآخر.
كنا عائلة صغيرة، أو ربما شلالًا من الدموع على هيئة عائلة، كان العالم ثقيلًا حينها ولم نكن لننجح بالنجاة، لم نكن لنفلت من أطنان التعاسة القادمة، لم يكن هناك ربيع يرسم فراشاته على جدران منزلنا المتصدعة، لم تشرق شمس في غرَفِنا الكئيبة، ولم يحلِق والدي ذقنه منذ أكثر من عشرين سنة .
في الحقيقة أنا لم أعرف لِمَ يبتسم الناس؟، كيف يمكنهم أن يحبوا بعضهم بذلك الشكل الغريب، ولم يعتبر صديقي روابط الأخوة شيئًا مقدسًا، لم الصمت؟ كل صمت العالم يركض بداخلي، وكيف يحس المرء بالدفء؟
كنا عائلة صغيرة أشبه بشجرة تموت، أمي كانت الجذع الذي أنهكته حدة الفؤوس وأنا كنت مجرد غصن منكسر لن أصبح نايًا ما حيِيت، أخي الأكبر كان غصنًا أيضًا، لكنه يبس مبكرًا جدًا.
 قد نكون عائلة ..عائلة صغيرة جدًا، أو ربما ظلًا لشخص مريض ينبش مخاوفه .
السلام على حاضركم وغائبكم
تمت
------
#يوسف_حسين
#العائلة_الصغيرة


هناك تعليقان (2):

  1. بالتوفيق دايما يا فنان يا عظيم

    ردحذف
  2. بالتوفيق دايما يا فنان يا عظيم

    ردحذف