طفل موهوب



قصة قصيرة
"طفل موهوب"
                                                   د.إيناس فوزي

ممدوح شاب متزوج بامرأة اسمها بسنت، كانت في منتهى الطيبة والسلمية، فقد نشأت يتمية منكسرة.
أما ممدوح فقد نشأ مدللًا من أمه، وكان هذا ذا أثر عليه في الكبر، فقد كان يضرب زوجته ويهينها، ومع ذلك كان ينتظر منها أن تتحمل عصبيته وأن تنفذ مايريد.
كان ابنهما محمد يرى كل هذا، يرى أباه وهو يضرب أمه، كان يرى سبه لها... يرى بكاءها... وهي كانت تتحمل كل هذا وتقول له دائمًا:
-                     مش ممكن أسيب باباك وتتيتم زيي.
والعجيب أن صبرها وتحملها كانا يزيدان من افتراء وقسوة ممدوح عليها، وبالرغم من أن بسنت مهندسة إلا أنها فضلت المكوث في البيت لرعاية محمد والاعتناء به.
ولم تكن قسوة ممدوح على زوجته فقط، بل كان يقسو على ابنه كذلك، فقد كان يضربه بمنتهى القسوة إن كسر شيئًا بالخطأ، أو ارتكب خطأً حتى وإن كان صغيرًا.
 وعندما تدافع عنه أمه يقوم بضربها هي الأخرى، أو يسبها، أو يتجاهلها.
كان محمد يتضايق من كل هذا، فأبوه لايصلي، وكثير الصراخ، ودائم الانفعال، حتى على والدته (أم ممدوح).
وكانت أم ممدوح تقول دائمًا:
-                     أنا اللي دلعته ممدوح، دي غلطتي من البداية، أنا اللي دلعته زيادة عن اللزوم.
تحملت بسنت كل هذا من أجل ابنها محمد، وأخذت تهتم به وترعاه، وكانت تذهب به للمكتبة العامة وتشترك له في الأنشطة، مثل المخترع الصغير وغيرها من النشاطات.
لاحظة بسنت تفوق محمد وبراعته في التصميمات؛ فاشتركت له في كثير من الدورات، وقد أثنى عليه المدربون، فقد كان يبهرهم دائمًا بذكائه المرتفع، وأخذوا يهتمون به ويحفزونه على الاستمرار.
ومن شدة ذكائه قد ابتكر تصميمًا رائعًا لسيارة ومروحة، ونفذه بتشجيع من المدرب بالمكتبة العامة؛ ولذلك قد رتب المدربون حفلًا له بحضور المحافظ ليكرمه على تصميمه.
كانت بسنت فرحة ومسرورة بما وصل إليه محمد، في حين أن ممدوح كان يسخر دائمًا منهم، وكان يردد:
-                     ابقي قابليني لو ابنك فلَح.
كان هذا يحزن محمد دائمًا، وكان يسأل أمه باكيًا:
-                     ليه بابا بيقول عليّ كدة ومش فرحان بيّ؟!
عندها كانت أمه تأخذ في حضنها، وتقول له:
-                     انت أدّها يامحمد، وإن شاء هترضي ربنا وتعمل خير للناس.
كان محمد يستمد الحماس منها ومن كلماتها المشجعة، وكان يردد وراءها دائمًا (اللهم استعملني ولا تستبدلني)
اقترب ميعاد الحفل ومحمد يزداد حماسًا لهذا اليوم، ولكن القدر كان له رأيٌ آخر، ففي يوم من الأيام شعرت بسنت بمغص شديد، رآها محمد وهي تتأوه فأسرع إليها قلقلًا:
-                     ماما، مالك ياماما؟
وعندما لم يأته الرد سوى صوت الآهات أسرع بالاتصال بأبيه باكيًا:
-                     بابا، الحقنا بسرعة، ماما تعبانة.
فصاح فيه ممدوح قائلًا:
-                     بلاش وجع دماغ، أنا ورايا شغل مش فاضيلكم.
 عندها قرر محمد الاتصال بجدته (أم ممدوح)، فأسرعت إلى بسنت لتنجدها....
مرت الأحداث سريعًا....
وفي المستشفى، أجريت التحاليل والإشاعات.... كشفت التحاليل على وجود التهاب في الزائدة الدودية..... ثم انفجار الزائدة..... ثم ..... ذهبت الروح إلى بارئها.
عندها لم يشعر محمد بنفسه إلا وهو يجري على أمه وهو يقول باكيًا:
-                     ماما، ماتسيبينيش ياماما، ماما ماتسيبينيش لوحدي ياماما..
كانت هذه الضربة محطمة لمحمد وآماله وهو مازال في التاسعة من عمره، من كانت له سندًا ومحفزًا في الحياة قد ذهبت، ذهبت وتركته مع والده الذي لم يكن يرحمه ولا يرحمها.
عندما علم ممدوح بالخبر تمزق قلبه، واستيقظ ضميره، فقد شعر بذنب أنه هو السبب في يتم ابنه الصغير، حاول تصليح غلطته.
كان يذهب إلى محمد ويحاول احتضانه والتحدث إليه، ولكن محمد يعرض عنه، فإنه لم ينسى أنه عندما كلمه في الهاتف خزله.
يعد له الطعام، والملابس، والأشياء قدر المستطاع، ولكن محمد لا يستطيع التعاطف معه.
 عندما علم الناس في المكتبة تعاطفوا معه، حاول المدرب تشجيعه وتحفيزه، ولكن دون جدوى.
ومحمد في وسط هذا كله لا يفعل شيئًا سوى البكاء والدعاء لأمه.
أما ممدوح فقد تغير تغييرًا جذريًا، فهو الآن يصلي ويستغفر الله، ويدعو لزوجته في سجوده، وهو يبكي، لقد فات الآوان، لقد جاءت التوبة متأخرة.
لا... لم يفت الأوان بعد......
فقد جاءت بسنت له في المنام وتنادي باسم (محمد)
عندها أخذ ممدوح يفكر (متى كنت له أبًا؟)
وفي يوم من الأيام ذهب ممدوح إلى محمد وجلس على طرف السرير، وقال له:
-                     طب أعمل إيه علشان تسامحني؟
أشاح محمد بوجهه عنه، لايريد حتى أن ينظر إليه، فقال ممدوح:
-                     أنا غلطت يامحمد، ونفسي أصلح غلطتي.
لم يرد عليه محمد، فبادره باكيًا:
-                     ياريتني أنا اللي مت، أنا مفيش مني فايدة يامحمد.
 عندها بكى محمد وارتمى في حضن ممدوح، أخذ ممدوح يربت عليه يحاول تهدئته.
في الأيام التالية بدأ محمد يتقبل ممدوح ولكنه مُصرٌّ على عدم الذهاب إلى النشاط والمكتبة، ولكن ممدوح أخذ يحفزه ويشجعه على الذهاب قائلًا:
-                     لازم تكمل وتنفع المسلمين وتنفع الناس بعملك.
رد عليه محمد قائلًا:
-                     بس انت كنت بتقول مفيش فايدة.
قال ممدوح له:
-                     كنت غلطان، بسنت الله يرحمها كانت صح وأنا اللي كنت غلط.
عندما سمع محمد اسم أمه أخذ يبكي ويقول:
-                     ماما، ياحبيبتي ياماما، الله يرحمك ياماما.
مع ضغط ممدوح على محمد وافق أخيرًا على الذهاب إلى المكتبة والتدريب، ولكنه لم يكن متحمسًا بما فيه الكفاية، ولكن ممدوح كان يشجعه باستمرار.
وكان دائمًا مايقول له:
-                     بسنت كملت في الحياة رغم إنها كانت يتيمة، وانت كمان لازم تكمل وتجيب ولاد يدعولك إن شاء الله.
 فكان هذا يزيد من حماس محمد كثيرًا، ويحفزه على العمل بجد.
حتى جاء وقت الحفل، وقدم محمد التصميمات التي صممها بنفسه، وأعجب المحافظ بها جدًا، وأمر بإعطائه مكافأة ضخمة، ورعاية موهبته ومنحه منحة سفر إلى ألمانيا في الأجازة.
فرح محمد جدًا بهذه الجائزة، وأخذ الميكروفون وقال:
-                     أشكرك ياسيادة المحافظ، علمتني أمي أن أشكر الله... الحمد لله رب العالمين.
عندها قال له المحافظ:
-                     وأين هي أمك، لتتفضل إلى المسرح.
سمع محمد الكلمة وأخذ يبكي، همس المدرب في أذن المحافظ فبدا عليه التأثر.
وممدوح أخذ الندم يغزو قلبه، ولكنه لم يدم عندما سمع محمد يقول:
-                     ها هو أبي.
استلم محمد جائزته وفرح ممدوح بأنه قام بتأدية الواجب الذي عليه تجاه ابنه، وتنفيذ وصية زوجته.
أصبح محمد وممدوح أصدقاء، كانا محافظين على الصلاة ودائما الدعاء لبسنت في صلاتهما.
 وكان محمد دائمًا ما يداعب أباه قائلًا:
-                     انت مش هتتجوز بقى يابابا؟
فيرد عليه ممدوح مازحًا:
-                     مش لما انت تتجوز الأول.
تمت
---------
#إيناس_فوزي
#طفل_موهوب

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق