ليالي رمضان في رحاب الزمان

مقال
ليالي رمضان في رحاب الزمان
بقلم/محمد الوكيل


((رمضان كريم , الله أكرم))
إنها التهنئة الخاصة بحلول رمضان، هكذا سمعناها وهكذا رددناها صغاراً وكباراً كنوع من البهجة بقدوم رمضان في بيئتنا المصرية، فرمضان ضيف ليس كأي الضيفان؛ له استقبال معلوم، فالزينة بألوانها تكسو الشوارع وواجهة البيوت، بل وداخلها أيضًا، وكذا الفوانيس بأحجامها المختلفة والأطعمة والحلوى التي لا يُقبل الناس عليها إلا في رمضان وكأنه عرس سنوي يبتهج فيه الصغير قبل الكبير، لكنه كأي شيء آخر تختلف طرق استقباله من مكان لآخر، بل ومن زمان لآخر في نفس المكان؛ فمتغيرات العصر تفرض نفسها دائماً.
ففي فجر الإسلام لم يكن الحال علي ما هو اليوم، بل كان أبسط بكثير من ناحية المأكل والملبس والزينة، إلا من ناحية العبادة والاستقبال والاستثمار الأمثل لرمضان؛ فقد كان رمضان أشبه بفرصة لا تعوّض، يستنفر القوم فيه الهمم ويفرغون فيه الطاقات ابتغاء مرضات رب العالمين.
كان القوم يقضون نصف العام شوقاً إلي رمضان (اللهم بلغنا رمضان) لمَ لا؟ وهم المحبين لله المسارعين في رضوانه، ورمضان كان هديته لهم ومفاجئته الخاصة لهم يوم القيامة فيما يخص الأجر (إلا الصوم فأنه لي وأنا أجزي به)، هكذا اصطفاه الله لنفسه؛ ليُكرم بثوابه عباده يوم يلقونه.
الصيام هو سمة نهار رمضان والتراويح هي سمة ليله، وكان أول من جمع الناس لصلاة التراويح هو الفاروق -رضي الله عنه وأرضاه- ولازالت جموع المسلمين تُحييها إلي اليوم جرياً علي النهج العمري القويم.
وقد أضاف الفاطميون طابعهم الخاص على رمضان ككل المناسبات الدينية التي كانت فرصاً سانحة؛ لتعزيز ملكهم بين الناس، ولإضفاء نوع من السماحة على مذهبهم الغريب آنذاك بين الناس؛ فظهرت الموائد والأطعمة المختلفة والحلوى التي لازال بعضها إلي اليوم، فكانت الموائد تقام في المساجد وفي قصور الحكام الفاطميين، بل ويخرج من قصر الخليفة الفاطمي يومياً أكثر من ألف قِدرٍ من الطعام يوزعون على فقراء الناس ومساتيرهم.
مدفع رمضان والمماليك
كانت القاهرة أول مدينة ينطلق فيها مدفع رمضان؛ فعند غروب أول يوم من رمضان عام 865 هـ أراد السلطان المملوكي «خشقدم» أن يجرب مدفعًا جديدًا وصل إليه، وقد صادف إطلاق المدفع وقت المغرب بالضبط، ظن الناس أن السلطان تعمد إطلاق المدفع؛ لتنبيه الصائمين إلى أن موعد الإفطار قد حان، فخرجت جموع الأهالي إلى مقر الحكم تشكر السلطان على هذه البدعة الحسنة التي استحدثها، وعندما رأى السلطان سرورهم قرر المضي في إطلاق المدفع كل يوم إيذانًا بالإفطار، ثم أضاف بعد ذلك مدفعي السحور والإمساك.
أما في عصر العثمانيين فنبدأ الحديث باستطلاع هلال شهر رمضان، فكان قاضي «أسطنبول» يُرسل العديد من الخبراء إلى مناطق مختلفة؛ لاستطلاع ظهور الهلال، وفي حالة ظهوره كان المنادون يسيرون في الشوارع وينادون بأن الهلال قد ظهر، كما كان يتم تعليق شبكة الأضواء بين المساجد [فيما عُرف باسم الماهية، وهو ما سنتحدث عنه لاحقًا] كذلك لتنبيه الناس بأن الشهر قد دخل، وكان من نصيب أول شخص استطاع أن يري هلال رمضان هدايا كثيرة تُخصّص له من الدولة؛ لأنه أول من بشّر بدخول الشهر الفضيل.
كان لشهر رمضان في قصر السلطان العثماني مظاهر وعادات أخرى، فبداية كان السلطان يُصدر وثيقة خاصة بالشهر من عدة نقاط؛ لتنبيه الناس على مراعاة بعض القواعد التي يتم تطبيقها بحرص، فقبل حلول الشهر بخمسة عشر يومًا كان يأمر بتشكيل هيئة لمراقبة الأغذية في الأسواق وتنظيم أسعارها، كما كان يقوم بنفسه باختيار نوعية القمح الذي سيُصنع منه الخبز للناس، وتحديد وزنه وكميه الملح التي تضاف إليه، وإذا نال القمح بعد طهيه خبزًا إعجاب السلطان وأهل الخبرة في القصر يأمر بأن تبدأ الأفران بخبزه وبيعه للناس، كما كان من ضمن التنبيهات الموجودة بهذه الوثيقة ضرورة أن يقوم الوعّاظ بتذكير الناس بصلاة الجماعة في المساجد، والمنادون بتنبيه الأهالي في الشوارع، بألا يزور أحد منزلًا دون إخبار صاحبه أو دون دعوته، وألا يتناول أحد الأطعمة والمشروبات في الشوارع في نهار رمضان، وأن يدعو الناس أثناء صيامهم وفي صلواتهم بدوام بقاء الدولة العثمانية.
اما رئيس الفلكيين [رئيس من يشتغلون بالفلك في الدولة] في القصر السلطاني فيقوم بتحضير إمساكية رمضان قبل حلول الشهر المبارك بخمسة عشر يومًا، أو قبل انتهاء شعبان بعشرة أيام، وكان يقوم بتقديم الإمساكية أولًا إلى السلطان والصدر اﻷعظم [رئيس الوزراء]، ثم إلى بقية الأشخاص المهمين من رجال الدولة.
 وعن استقبال الشهر فكان يتم ببهجة كبيرة في القصر، وبصحبة برقيات تهنئة إلى السلطان من سفراء الدول الأجنبية، كما كان يتم دعوة عامة المسلمين وغير المسلمين إلى الإفطار في القصر السلطاني؛ من أجل إرساء الألفة بين المسلم وغير المسلم، أما الأطعمة فكان يتم توزيع الوجبات المجانية على جميع الضيوف طوال شهر رمضان حتي ليلة القدر، وكان السلطان ورجال الدولة يأمرون بنحر الأضاحي المختلفة في الأماكن العامة والساحات الواسعة، أو على أبواب أسطنبول، مع الأمر بتوزيع هذه اللحوم على الناس خاصة الفقراء منهم وذوي الحاجة، وإذا انتقلنا إلى العبادات والطاعات في القصر، فكانت تظهر في إقامة صلاة التراويح بحضور السلطان، وفي ليلة القدر نجد السلطان والوزراء ورجال الدولة يقيمون صلاة هذه الليلة المباركة في جامع «آيا صوفيا» خاصة، ويأمرون بإضاءة الأنوار والمشكاوات الملونة بشكل كبير وواسع في الطرقات، وفي ساحة ميدان «الطوبخانة» بأسطنبول. وفي القرن الثامن عشر عام 1759 استحدث السلطان «مصطفى الثالث” [حكم من 1757 حتي 1774] في البلاط العثماني «مدرسة قرآنية»؛ لحضور دروس في تفسير القرآن طيلة الشهر المبارك بحضور السلطان، الذي يجلس ليستمع إلى تفسير الآيات من علماء عصره، خاصة من تفسير «البيضاوي» الذي كان يُفضّله علماء الدولة الأحناف، وهو اﻷمر الذي استمر حتي نهاية الدولة.
أما في العصر الحديث -وفي بلد كمصر- حيث الكثافة السكانية المرتفعة بأغلبية إسلامية كبيرة ما إن يهل هلال الشهر الفضيل حتي يتحول الشارع المصري إلي خلية نحل، أو إن شئت فقل مسرحاً لاحتفال الجميع بهذه المناسبة الجميلة؛ فتجد الأطفال يركضون بكل سرور وفي أيديهم فوانيس رمضان، وتجد محلات الأطعمة المختلفة تكتظ بالناس، وتجد المساجد وقد امتلأت بالمصلين وارتفع دويّ التكبير والصلاة في مكبرات الصوت، وهو ما يمنحك علي الفور إحساساً استثنائياً لا يمكنك الشعور به إلا في رمضان، شعور خليط من البهجة والإيمان ومشاركة المجتمع المسلم كل تفاصيله؛ فتجد الأغنياء يُطعمون الطعام كما في موائد الرحمن والصدقات وغيرها من مظاهر التكافل الاجتماعي التي لا تظهر إلا في رمضان؛ لذلك يُقال رمضان كريم «أي كريم بحق على الجميع... الأغنياء قبل الفقراء».
أعاده الله علينا باليمن والبركات.

---------
#ليالي_رمضان_في_رحاب_الزمان
#محمد_الوكيل


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق